ما قيل في رحيل المناضل الحاج جمال علي الطميزي
بقلم أمجد النجار — مدير عام نادي الأسير الفلسطيني
رحيلٌ لا يُشبه الرحيل، ووداعٌ لا يُشبه الوداع... بالأمس، زارني الحاج جمال علي طميزة (أبو محمد) في مكتبي، منذ الصباح وحتى الظهيرة. كعادته، دخل مبتسماً بهدوئه المعهود، ونبرته الصادقة، واهتمامه العميق بقضايا الوطن.
جلسنا ساعات نتحاور، وكانت قضية الأسرى محور حديثه الدائم… سأل وناقش، عبَّر بحزنٍ وحرص، كما لو كان يحمل هذا الهمَّ بين يديه. لم يكن لقاءً عادياً... كان مفعوماً بالصدق والانتماء، وكأنَّ روحه كانت تودِّعنا بكلماتٍ خُطَّت من القلب.
رحل أبو محمد جسداً، لكنه ترك خلفه أثراً لا يُمحى، وكلماتٍ لا تُنسى، ومواقف ستظل شاهدةً على رجلٍ عاش من أجل فلسطين، وارتقى وفي قلبه فلسطين.
في زمن تغيّرت فيه المعايير، ظل جمال ثابتاً على مبادئه. كان رجل التوازن والهدوء وقت العاصفة، وصاحب الكلمة المسؤولة وقت الفتنة. لم يعرف التلون، ولم يُرهبه الموقف.
جمال الطميزي "أبو محمد" أخي وصديقي، لم يكن فرداً بل كان مؤسسة. كانت بوصلته دائماً نحو فلسطين، ولم يعرف التردد أو الخوف. حضوره اليوم من خلال هذا الجمع هو أكبر دليل على أثره.
نجتمع اليوم لا لنرثي فقط، بل لنجدد العهد بأن نبقى على طريقه. طريق الوفاء، طريق الإخلاص. سنحمل الأمانة ونسير على دربه. فالرجل الذي عاش للوطن يستحق أن يُخلَّد في وجداننا.
كان جمال طميزة رجلاً تعرفه الأزمات، يظهر حين يغيب الآخرون. لم يكن يوماً باحثاً عن أضواء أو مناصب، بل باحثاً عن عدالة وكرامة لكل مظلوم. ترك بصمة في كل بيت وساعد كل من قصده.
كان أبو محمد حاضراً دوماً في قضايا الأسرى، يتحدث عنهم كأبٍ لا كمجرد ناشط. لا يغيب عن أمهات الشهداء، ولا عن أفراح الطلبة، ولا عن جراح الوطن.
لم يكن جمال مجرد اسم في سجل الوطنيين، بل كان نبضاً لإذنا، ضميرها ووجدانها. برحيله فقدت البلدة ركيزة من ركائز العطاء والاتزان. لكنه باقٍ في كل حجر وزاوية وساحة.
أشهد أنني رأيته يشرف بنفسه على بناء منزل الشهيد رامي صبارنة، وكان يعتبر أن خدمة عائلة شهيد أو أسير شرف وليس مجاملة. كان يُعطي من وقته ومن قلبه بلا انتظار مقابل.
عرفناه رجل مبادئ، ما بدَّل ولا غيَّر، وكان من الذين رفضوا الانقسام منذ اللحظة الأولى ودعوا للوحدة الوطنية.
جمال طميزة هو ابن كل بيت، ورفيق كل نضال، نعرفه في أزقة إذنا وفي مراكز التثقيف وفي ساحات المواجهة.
حين كنا نخطط لأي فعالية وطنية، كان أول من يصل وآخر من يغادر. كان قلبه على الناس لا على الألقاب.
كان صاحب موقف في زمن الصمت، ورجل وفاق في زمن الانقسام. أمثاله قليلون، ورحيله موجع.
أبو محمد لم يكن يتكلم كثيراً، لكنه كان حاضراً دائماً بالفعل. وفي اللحظات الصعبة كان أول من يتقدم.